
صـديقُ أبي ..
أحد أمنيات الوالد كانت أن يلتقي صديقه ..
لقد حاول سابقا من خلال برنامج إذاعي يدعى “ بحث في فائدة العائلات ” للمرحوم العربي بن دادة الذي كان يبث على القناة الإذاعية الأولى ..
أتذكر ذلك المساء من جمعة بعيدة ، انتظر والدي بشغف موعد بداية الحصة أتذكر أنها كانت تبث على الساعة الثامنة ، جرب الاتصال مرات عديدة ولم يفلح لأن الخط كان مشغولا نظرا للاتصالات الكثيرة التي كانت تصل من مناطق الوطن وحتى من الخارج
قصـة فوتوغرافية
______
حكيم محمدي

سنة 1981 وصل أبي إستدعاء آداء الخدمة الوطنية ، كان مقر سكنه ببوقطب ، قرر أبي مثل أقرانه الإلتحاق ، كانت بوقطب تابعة إداريا لولاية سعيدة 150 كم جنوب وهران ، وهناك من مركز الخدمة الوطنية إجتاز الفحص الإنتقائي قبل أن يحول رفقة جنود آخرين إلى الجزائر العاصمة عبر شاحنات عسكرية ومنها تم تحويله رفقة عدد من المجندين إلى مدينة بوسعادة .. أتم فترة تدريبه كجندي إحتياطي في ثكنتها المعروفة بالرّمانة ، لم يتم تحويله بعدها ليقضي فترة 24 شهرا هناك ، ساهم من خلالها في بناء قرى نموذجية كما عمل في مشروع السد الأخضر ..
في هذه المدينة التي كانت تعيش حراكا ثقافيا - قبل أن يتم وأدها لحسابات سياسية - شهد والدي بداية فترة شبابه وكون صداقات وتعرف على السينما ، لايزال يذكر مباريات الفريق الوطني بمونديال إسبانيا 1982 التي تابعها عبر الشاشات العملاقة " الداتاشو " ، يتذكر تلك اللحظات الفارقة في تاريخ جيل مابعد الإستقلال والتي شكلت جزءا من جزائرية المواطن البسيط ..
تعد الخدمة الوطنية وحتى في وقتنا الحاضر سردية مهمة في المخيال الشعبي الجزائري ، ومنها يبني الجزائري قيمه ومبادئه ورؤيته لكثير من المفاهيم كالشرف والوطن و الصداقة ..
ربما تعد الحدث الأهم والأكثر إختلافا في حياة شباب هذا الوطن ، بلا شك لايحظى الغالبية بمغامرات أخرى بمثل هذه القيمة لإعتبارات سياسية و إجتماعية وحتى دينية ، كما أن قيمتها تتجلى كونها المرحلة الفاصلة بين مرحلتي المراهقة و الشباب ..
لقد كان والدي بفطرته حكاءا مبهرا ، يمتلك ملكة السرد ، يحكي القصة من ألفها إلى يائها ، يعرف أين يزيد وأين ينتقص و أين يدوزن الحكاية ، لاحقا سأكتشف تشابها بينه وبين سالم المصري والد الكاتب السوري حنّا مينة عندما يصفه ويحكي عنه في ثلاثيته السيرية " بقايا صور - المستنقع - القطاف " ..
كنت وأنا صغير منبهر بهذه التجارب ، منبهر بقدرة أبي وبصدقه ، عندما يفشل يخبرني أن فشل ، وعندما ينجح يقول ذلك دون فخر ، أراقب نطراته وأنصت لصوته يعلو وينخفض حسب اللحظة وحميميتها ، حسب الحدث و قيمته .. يسكت عندما يعرف أن الذي سيقوله تاليا مهما ، ويضحك على الأحداث المضحكة كأنه يسمعها أول مرّة ..
علق في ذهني إسم صديق له يدعى " محمد سادات " كان إسمه رقيقا على ذوقي وقتها ، رسمته في ذهني حسب المواصفات التي وصفه بها محدّثي ، كان يقول أنه طويل قليلا ، و أسمر بشعر مجعد ، هادئ ومتزن ، رفيق حقيقي يكسر ساعده لأجلك ، لقد توسمت فيه البطولة و القوة ..
كانت حسرة أبي عليه واضحة ، وقد شكل لي ذلك وأنا صغير أول المسائل الفلسفية " الفراق " ، طيلة تلك السنين كنت أبحث عن السبب المقنع الذي يجعل الصداقات العظيمة تنتهي بعبثية ، رأيت لاحقا ذلك في صداقاتي ، كل الذين إفترقت معهم لم يرضينِ السبب ، مثلما لم يرضنِ سبب فراق والدي مع صديقه ولو أني قدرت ذلك بصعوبة التواصل في فترتهم .
تصورت كثيرا من السيناريوهات للقاءهم ، جعلت من ذاك تسليتي المفضلة ، صحيح لم تتحقق أحلامي وبقيت مجرد أماني أرسلها لليوم السعيد ، غير أني في المقابل تعلمت تقدير
الصداقات كثيرا وانعكس علي ذلك حتى اليوم ، أحب الأصدقاء وأسعى للتواصل معهم في كل فرصة ، وحصلت دائما على رفقة عظيمة بإخلاصي هذا ..





يا حبايبي يا غايبين .. واحشيني يا غاليين ، لو أفَتَّـح و أغَمَّـض وليكم جايين ..
يا حبايبي ياغايبين








في أواخر سنة 1983 ، قرر أبي وصديقه توثيق ذكريات الخدمة الوطنية بصورة للذكرى ، تم أخذ الصورة عند كوداك في وسط مدينة بوسعادة مقابل فندق القايد ، بحثت لاحقا عن الكوداك وتبين أنه أغلق محله للأبد ..
إحتفظ كل واحد منهما بنسخة للذكرى ، ظلت هذه الصورة في ألبوم ذكريات والدي ، أخبرني أنه كان مقربا في الخدمة الوطنية ، وجمعت بينهما ذكريات كثيرة ، قال أبي أنه يكبره بسنة أو سنتين ، وقال أنه ساعده لتعلم اللغة الفرنسية ، يكتب والدي حاليا بالفرنسية ويقرأ بها ، ليس بدرجة جيدة لكنها تكفي بالنسبة لشخص لم يحظ بالتعليم كاملا ..
انقطع التواصل بينهما بنهاية تلك المرحلة ، لقد شق كل واحد منهما طريقه في الحياة بعيدا عن الاخر ،
أحد أمنيات الوالد كانت أن يلتقي صديقه ..
لقد حاول سابقا من خلال برنامج إذاعي يدعى “ بحث في فائدة العائلات ” للمرحوم العربي بن دادة الذي كان يبث على القناة الإذاعية الأولى ..
أتذكر ذلك المساء من جمعة بعيدة ، انتظر والدي بشغف موعد بداية الحصة أتذكر أنها كانت تبث على الساعة الثامنة ، جرب الاتصال مرات عديدة ولم يفلح لأن الخط كان مشغولا نظرا للاتصالات الكثيرة التي كانت تصل من مناطق الوطن وحتى من الخارج
أفلح قبل دقائق من النهاية ، كان والدي يتحدث بهدوء ورزانة و المذيع يسأله عن اسم صديقه ومدينته وأبي يكرر كتلميذ يحفظ المقطوعة .. انتظرنا كل أسبوع عندما تبث الحصة لعلنا نسمع أن المفقود اتصل كما كان المذيع يعلن قبل الشروع في تلقي الاتصالات غير أن الأمل بدأ يتناقص مع مرور كل جمعة حتى نسينا ..
قبل أشهر عثرت على الصورة وتأملتها كأني أراها أول مرّة ، كان على ظهرها إسم الصديق ، قررت البحث عنه مهما إستغرقني ذلك من زمن ، وطيلة تلك الشهور أفكار كثيرة تبادرت لذهني غير أني كنت أحتفظ ببعض الإيمان في العثور على هذا الصديق الذي تقاسم لحظات صادقة مع أبي
لم أكن أملك أي معلومات عن هذا الصديق سوى إسمه الكامل و إسم مدينته ، أعرف مدينة سيدي لخضر جيدا ، سبق وأن زرتها ، بدأت بأخوالي الذين يسكنون غير بعيدين عنها ، منحتهم الإسم وطلبت منهم إن كانو يعرفون أي شخص بهذا اللقب العائلي ، غير أني لم أتلق أي رد منهم ..
قرّرت مواصلة البحث بمفردي وبمعارفي و أصدقائي منتظرا من القدر والصدف إنصافي ، غير أنني لم أجد الشجاعة الكافية للذهاب إلى المدينة الصغيرة والبحث بالطريقة التقليدية ، وبدأ اليأس يتسلل إلى دواخلي شيئا فشيئا ..
قبل أن أتنازل عن هذه الفكرة قررت للمرة الأخيرة تجريب حظي عن طريق موقع فيسبوك ، أضفت نفسي لأحد مجموعات المدينة ، وضعت الصورة كمنشور وانتظرت ليومين قبوله ، في النهاية كانت التعاليق الثلاثة كلها إيجابية ، وكان من بين المُعلقين إبن الشخص الذي أبحث عنه !
لقد كان ذلك المساء من أسعد لحظاتي في هذه الحياة .. تلك الفرحة هي واحدة من أفراحي العظيمة والقليلة ، لقد كانت فرحة صادقة
رفعتني للسماء وجعلت كل شيئ من حولي سعيدا ..
تواصل معي إبنه لاحقا على حسابي الشخصي و منحني رقم هاتفه لأتصل به ، لست أدري كيف انقلبت فرحتي ليأس لم أشعر به من قبل ، كأنه فعل هذا متعمدا ليكسرني وليدفن سعادتي في رمال متحركة ، شعرت جازما أنه سيخبرني أن والده توفي قبل شهور قليلة ، ولربما إن كنت سعيدا سيخبرني أنه ترَجّل قبل سنوات لعلي أجد في هذا عزاءا ..
انتظرت نهارا كاملا ، قبل أن أشكل رقمه ذلك المساء و أتصل به ، وصلني صوته مرحبا ، غير أني كنت مرتبكا أنتظر منه أن يصدمني ، مرت تلك الدقيقتن من الترحيب والتعارف ببطئ قبل أن يخبرني أن والده بخير وهو بجانبه ، لأطلب مباشرة منه وبدون تردد الحديث إليه ، ولكم كانت سعادة هذا الرجل بي وبسعي للوصول إليه كبيرة ..
إجتمعت بأبي على مائدة العشاء .. تهيأت جيدا لأزفّ له النبأ السعيد ، سألته في البداية إن كان لازال يذكر ذلك الصديق أجابني متحسرا أن السنوات باعدتهما ولم يبق أمل للقاءه ، إبتسمت وأخبرته أن هذا الصديق يبلغه سلامه الحار ! ، توقف لحظة وسألني كيف حدث هذا ، سردت عليه القصة ، بقي مندهشا و لم يضف لقمة أخرى ، شاركه الاندهاش أخي الذي حاول بدوره تخفيف الجو ..
كان وجه أبي مشرقا أكثر من أي وقت مضى .. تماما مثل إشراقه أيام نجاحاتنا .. الإبتسامة التي إرتسمت على محياه لن أنساها أبدا ، إنحلت عقدة لسانه بعد ذلك و أثنى علي كثيرا ، .. أخبرته أني حددت يوم الأحد للذهاب إليه فازدادت سعادته وقبل ذلك دون أي سؤال آخر ..
ذلك الصباح من يوم الأحد تهيأ أبي كما يتهيأ للأعياد ، لبس عباءة الطيسور التي لاتلبس إلا للمناسبات الفارقة ، إخترت له العمامة التي أحبها و أحب أن أراه يعتمرها ، العمامة التي كنت إستعملتها سابقا في أحد أفلامي ، رافقنا أخي وصديق مصور انتظرنا في مدينة المحمدية “ باريڤو “ ، وشهدنا مجتمعين ذلك الشرف ، لقد إلتقى الصديقان بعد 41 سنة من تاريخ الصورة التي ألتقطت في بوسعادة عند كوداك مقابلٍ لأوتال الڤايد في اليوم الذي إفترقا فيه ..
إلتقيا بكثير من المودة والحب والمشاعر الحقيقية الصادقة




أيتها الصداقة ..
لولاك لكان المرء وحيدا،وبفضلك يستطيع المرء ان يضاعف نفسه وان يحيا في نفوس الآخرين.
«فولتير»

إحتفاءا بأبي ..
إحتفاءا بصديقه
قضينا لحظات حميمية بين مدينة سيدي لخضر وضريحها وبحرها .. ترافقنا كلنا كعائلتين وخرجنا للنزهة ، جزء من ضيافتهم لنا كان زيارة الأماكن المعروفة بسيدي لخضر ، اختتمنا الجولة بضريح الشاعر الصوفي لخضر بن خلوف الذي تحمل المدينة إسمه
تستحق مثل هذه اللحظات أن تخلد و أن تُذكر كثيرا ، فرحنا المعلن كان بمثابة نخب الصداقات الأبدية التي قدرها أن تستمر مهما حاولت الحياة الوقوف في طريقها .. فرحنا المعلن كان إحتفاءا بالأصدقاء أينما كانو في هذا العالم المترامي ، بفرحنا أرسلنا لهم رسالة جميلة حيث أنه سيأتي يوم ويلتئم شملهم ويشعرو بشعور اللقاءات ..
قبل ذلك كنت أفكر في صنع فلم تسجيلي عن قصة الصورة ، استعنت بصديق مصور وسجلت تلك اللحظات وتحمس أبي للفكرة على أن يعيد معي تشكيل الحكاية ، غير أني بعد أسابيع من ذلك شعرت أني قتلت أبي ، أحسست أن أمل لقاءه بصديقه كان بحد ذاته مواساة له في هذه الحياة ، وبلقاءه انتهى شيئ ألفه طيلة أربع عقود .. إنتظار صديق غاب عنه !






2024
Expo - photo